فلسفة طب الطبيعة

القوة الشافية للطبيعة Vis Medicatrix Naturae

        إن كل من أجسامنا البشرية وجسم الأرض بها حكمة كامنة تحكم دورات الميلاد، والنمو، والنضج، والاضمحلال. وصحة الجسم تقوى بالحركة اليومية، والحياة في تناغم مع هذه الدورات الطبيعية. ويأتي كثير من أدوات الشفاء من الأرض مباشرة، مثل العلاج بالماء، الذي يعتمد على الخصائص العلاجية للماء. ويستخدم الطب النباتي خصائصه العلاجية من النباتات. كما أن المواد المعدنية، والنباتية، والحيوانية، تزودنا بأساس الطب التجانسي. ولكل من هذه العلاجات ذكاء فطري يتفاعل مع حكمة الجسم الشفائية للتوصل إلى الصحة والتوازن والتناغم. فالصحة ناتجة عن التوازن الذي يمكن المحافظة عليه بما قد يبدو أنه قوى مدمرة – مثل الحمي أو الالتهاب- والتي تسفر في النهاية عن استعادة أجسامنا لصحتها وحيويتها (انظر نموذج الصحة والمرض، فيما يلي).

تعرف على سبب المرض وعالجه Tolle Causum

        إن المرض لا يحدث بدون سبب. فالجسم بحكمته الرائعة دائما ما يهمس قبل أن يصرخ. والرعاية الصحية الواعية تعني تعلم الاستماع إلى الجسم وعلامات الإنذار المبكر التي يصدرها. فالأعراض الجسمية هي كنايات، أو ربما إذا شئنا مزيداً من الدقة، مؤشرات على تحولات وتغيرات في عمليات الحياة. فالأعراض هي عادة نتيجة لمحاولة الجسم إعادة التوازن لذاته. وتتطلب معرفة السبب التوصل إلى الجذور النفسية، والاجتماعية، والروحية للمشكلة، وكذلك الأسباب البدنية للمرض. ونادراً ما يتعامل علاج الأعراض مع الاضطراب الكامن وراءها، بل إن علاج الأعراض في الواقع قد يخفي المرض ويجعل التعرف على السبب أكثر صعوبة. ويتطلب علاج السبب التعامل مع الجسم ككل.

        ويشير الطب الصيني إلى مبدأي العلاج (بين Ben) و(بياو Biao) وهما "جذور" المرض و"فروعه". ويتعلم الطبيب الحاذق التفريق بين الأسباب العميقة (الجذور) والظواهر السطحية (الفروع) المتعلقة بالمرض. وقد كتب ماشيوشيا "Maciocia" في "أسس الطب الصيني": "عند النظر في الجذور (بين) والظواهر (بياو) فمن المهم أن نفهم الصلة بين الاثنين. فهما ليسا كيانين منفصلين، بل وجهين متناقضين، مثل الين واليانج. وكما يشير إسماهما فإنهما مرتبطان ببعضهما، مثل جذور الشجرة المرتبطة بفروعها، فالجذر تحت الأرض وهو غير ظاهر، والفروع فوق الأرض وهي مرئية. وتوجد نفس تلك العلاقة بين جذور المرض وظواهره الإكلينيكية: فإنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً وهي تشكل وجهين لنفس الكيان" .

        وعلاج السبب يعني التعامل مع جذور المرض وليس فقط مع السيقان والأوراق التي ترمز للأعراض والعلاقات المرضية في الجسم. فإن اختلال الجذر قد يظهر في هيئة مجموعة من الأعراض. وأحياناً تسبب عدة جذور مضطربة عرضاً واحداً، مثل صعوبة التنفس التي قد تكون عرضاً مرتبطاً بعدة أمراض متزامنة مثل هبوط القلب الاحتقاني "Congestive Heart Failure"، أو الأوديما الرئوية "Pulmonary Edema"، أو الالتهاب الشعبي المزمن "Chronic Bronchitis"، أو تمدد الرئة "Emphysema" أو جميع هذه الأمراض. والمبدأ الأساسي في كل من الطب الصيني وطب الطبيعة هو: "لكي تعالج مرضاً، يجب أن تجد الجذر".

"أولا: لا تسبب للجسم ضرراً"

        إن العلاجات التقليدية الطبيعية تهدف إلى إعادة التوازن للجسم بأقل قدر ممكن من المعالجات التدخلية. وأنا أبدأ دائما بأبسط المعالجات للمرض في عيادتي (وهي بصفة عامة تغيرات في النظام الغذائي والعلاج بالماء) قبل إضافة معالجات أكثر تعقيداً وأكثر تكلفة. فأنا أصف تركيبة نباتية متوازنة جيداً قبل أن أوصي بملئ كيس من الإضافات. كما أن "عدم التسبب في أي ضرر" يشمل إعطاء علاجات تغذي الجسم وتقويه، فالتقاليد الطبية لكل من الطب المعتاد الشرقي والغربي تشمل استخدام "مقويات"، وأعشاباً، وتركيبات أخرى لتقوية الجسم. وتوصف هذه المقويات بصفة عامة بعد الولادة (للأم)، وبعد الأمراض الطويلة، وللرعاية الوقائية. فغالبا ما يشرب الصينيون أنواعاً خاصة من الشاي ويأكلون أطعمة خاصة عند تغيير الفصول لإعداد الجسم للظروف الجوية الجديدة.

الطبيب بوصفه معلماً

        إن كلمة "دكتورDocere" تعني "يُعلم"، فوظيفة الطبيب الأساسية هي أن يقدم المعلومات للمرضى، وبذلك يُمَكِّنْ الناس من تنظيم صحتهم. ويقضي طبيب طب الطبيعة قدراً كبيراً من وقته في عيادته في تعليم المرضى. وعندما ينجح مريض في تطبيق المعلومات وتحقيق مستوى صحي أفضل، فإن الطبيب يكون مصدراً لمزيد من المعلومات للحالات الطارئة، أو مدرباً للمساعدة في الوصول إلى مستويات صحية أعلى.

        وللأسف فإن بعض المرضى لا يريدون مثل هذه المعلومات بل إنهم يريدون أن يقوم الطبيب بإصلاحهم كسيارة في ورشة للإصلاح. فقد قضيت حوالي ساعة أوجه النصائح إلى إحدى المرضى بشأن الغذاء، والتمارين الرياضية، وتقليل التوتر، محاولاً أن أوضح أن غذاءها (المكون في معظمه من الوجبات السريعة) يرتبط ارتباطاً وثيقاً بشعورها بالإرهاق. فحملقت لي المريضة وهي تغلي من الغيظ وقالت: "ألا يمكنك أن تعطيني بعض الأقراص، لقد أعطاني آخر معالج بطب الطبيعة زرته بعض الأقراص التي كنت أشعر بتحسن طالما تناولتها. ألا يمكنك أن تعطيني شيئاً من ذلك؟".

        وقد ترددت قبل أن أصف لها بعض المكملات الغذائية المضادة للأكسدة، مع علمي بأنني بذلك أعطيها مسكنا مؤقتاً لمشكلة أكبر كثيراً، فقد كانت المريضة تتناول غذاء غير صحي، ولا تمارس التمارين الرياضية، كما أنها تعمل في وظيفة مرهقة جداً، وترعى أمها المريضة في المساء. وكانت تخشى من احتمال أي تغيير جوهري في حياتها. فقد كانت تريد لصحتها أن تتحسن بدون تغيير أي من الظروف التي كانت تؤدي إلى مرضها.

        إن معظم الناس مازالوا معلقين بنمط نشأ عن نظام الطب المعتاد: "إنني أشعر بألم، فأعطني بعض الأقراص ليزول الألم حتى أواصل حياتي". ومشكلة هذا النمط هي أنه أحيانا ما يكون أسلوب حياة المريض هو سبب الألم. ولذلك فإن إزالة الألم "بقرص سحري" لن يفيد المريض كثيراً. إن بعض أطباء طب الطبيعة يقتنعون بإعطاء المريض أدوية لإزالة الأعراض سريعاً، آملين أن يعود المريض يوماً ما لعلاج المشكلة الأساسية.

        ربما كنت في حاجة إلى مزيد من الوقت في الموقف الذي وضعته، من أجل تعليم المريضة مزيداً من المعلومات عن حالتها. وربما كانت المريضة في تلك الفترة من حياتها غير مستعدة لتقبل أسلوب علاجي يحتاج إلى مشاركتها. فليس كل مريض مهتم بالصحة وتطوير أسلوب حياته. ولذلك فإن الأدوية والجراحة قد تكون اختيارات ملائمة لهؤلاء المرضى.

الوقاية

        إن الرعاية الوقائية تستلزم دراسة الصحة بنفس القدر من الدقة كما ندرس حدوث المرض. فمعظم المعالجات الطبية المعتادة تركز على المرض، لإعادة المرضى من وضع الرقود إلى وضع الوقوف على أقدامهم (التدخل لحل الأزمات). والطب التقليدي يمكنه كذلك إعادة المرضى من الرقود إلى الوقوف، كما يمكنه مساعدتهم على المشي والجري فعلاً. فالطب المعتاد يهدف إلى البقاء على قيد الحياة، ولكن الطب التقليدي يهدف إلى تحقيق الصحة المثالية.

        ويحتاج الطب الوقائي الصحيح إجراء تعديلات يومية من أجل صحتنا، مثل تناول الأطعمة التي تغذي أجسامنا، وممارسة التمارين الرياضية، وتكوين علاقات محبة، ومجتمعات مساندة، تساهم في صحة الأرض. فإن الناس الأصحاء يعيشون في بيئات صحية. والطب الوقائي يعني العمل من أجل هواء نظيف، وأرض نظيفة، وماء نظيف. إن صحة الإنسان لا تنفصل عن صحة هذا الكوكب الذي نعيش عليه.

عالج الشخص بأكمله

        إن سبب المرض يرجع في أغلب الأحوال إلى عوامل متعددة ولذا فإن المعالجة يجب أن تكون متعددة الجوانب. وأنا أسأل المريض المعتاد "ما الذي يحدث في حياتك؟ لماذا تعتقد أنك مريض الآن؟". ويتعجب بعض المرضى من ذلك، فهم ليسوا معتادين على أن يهتم أي طبيب سوى بالأعراض البدنية ونتائج التحاليل المعملية في عمله. وكثير من المرضى يعلمون سبب مرضهم، ولكن البعض الآخر يحتاجون إلى تدريب وإقناع لكي يفهموا أن أجسامهم ترتبط ارتباطاً وثيقاً مع حياتهم العقلية، والانفعالية، والروحية، بل وحتى هيكلهم العظمي.

        ولا أقصد هنا أن كل اضطراب بدني يمكن أن يكون راجعاً إلى سبب انفعالي، أو عقلي، أو روحي. وفي وقت ما كنت مقتنعاً بأن جميع الأمراض راجعة إلى "مسألة" أو "مسائل" تظهر على المريض في صورة مرض بدني، أي أن التعرف على الأنماط الانفعالية/ العقلية وتغييرها سيؤدي إلى علاج المرض البدني. ولكن تفكيري قد تغير مع مرور الزمن. فبعض الناس أحياناً يوجِدون الأمراض ليتخلصوا من "مسائل". وفي أحيان أخرى يصاب البعض بنقص في الحديد لأن لديهم نقصاً في الحديد، وليس لأن لديهم درساً كونياً يتعلمونه. وعندما تخليت عن الحاجة إلى إيجاد سبب "ميتافيزيقي" لكل مرض، فقد مكنني ذلك من أن أتجنب إصدار الأحكام على الناس وأن أتفهم بقدر أكبر تعقيدات الصحة والمرض. كما أن التخلي عن يقين بشأن أسباب المرض أعطاني مجالاً أكبر ليعبر اللغز العظيم للصحة والمرض عن نفسه.

        إن عملية التعافي غالباً ما تسبب ظهور الجروح التي لم تلتئم في الماضي، وقد تكون تلك الجروح قد حدثت على المستوى البدني، أو العقلي، أو الانفعالي، أو الروحي. كما أن التركيز على شفاء أي جانب من النفس قد يعيد تنشيط الجروح القديمة. فالجسم لدية طاقة كافية "لتنظيف البيت" ولاسترجاع النفايات القديمة، وفحصها، والتخلص منها. فالتخلص من الألم الانفعالي مثلاً قد يكون مصحوباً بعودة طفح جلدي أصاب المريض أثناء طفولته. فشفاء الطفح قد يتبعه إدراك لنمط مستحيل من العلاقة التي يكون المريض مستعد لتغيره.

والمسار الذي يعود فيه كل شخص إلى الحالة الطبيعية هو مسار متميز لكل شخص، مع أن هناك أنماطاً معينة للتعافي قد تميز ذلك المسار، ونموذج التعافي الموضح فيما يلي ينطبق على كلٍ من طب الطبيعة والعلاج التجانسي:

قوانين الشفاء

الشفاء يحدث:

§          من الداخل إلى الخارج (الأعضاء الداخلية أولاً، والجلد في النهاية).

§          من القمة إلى القاعدة (من منطقة الرأس نزولاً إلى القدمين).

§    من الأحدث إلى الأقدم (الأعراض الحديثة تشفى أولاً تتبعها الأعراض الأقدم– أي بعبارة أخرى بعكس الترتيب الزمني لحدوثها).

§          من الأعضاء الأقل أهمية إلى الأعضاء الأكثر أهمية في الجسم.

نموذج للصحة والمرض

        إن كل فن من فنون العلاج يعمل في إطار معين لشرح أسباب المرض ويرسم طرق العودة إلى حالة صحية معينة. وسيوضح الفصل الثاني بعض نظم العلاج الرئيسية التي تقع تحت مظلة طب الطبيعة.

        وفيما يلي نموذج أساسي يشرح تطور المرض من منظور طب الطبيعية. كما يقترح هذا النموذج كيفية التغلب على سير المرض والعودة إلى حالة الصحة. ويجب أن نتذكر أن النموذج ليس بالضرورة هو "الحقيقة" وقد قال مدرس مستنير ذات مرة "إننا نسلي أنفسنا بالنماذج إلى أن تظهر الحقيقة". ومع أن النموذج التالي قد لا يمثل الحقيقة المطلقة، فإنني قد رأيت هذا النموذج يعمل بكفاءة عالية في الممارسة السريرية. ويقدم لنا هذا الموجز فهماً مبسطاً وجيداً للصحة والمرض والشفاء، وهو مصدر هام استمد منه الإرشاد أثناء عملي.

 

إن معظمنا يبدأ الحياة في حالة الصحة المثالية. وأثناء حياتنا نتعرض لظروف تجعل توازننا يختل وتُحَمِل الجسم فوق طاقته الاحتمالية، ويستجيب الجسم لذلك عن طريق حدوث الالتهاب (الاحمرار، الألم، الحرارة، والتورم). والحمى هي واحدة من أكثر الاستجابات الالتهابية شيوعاً.

 

وعندما تعطى العلاجات الطبيعية بأسلوب سليم، يمكنها أن تسرع مرحلة الطرد وتعجل بالعودة إلى الصحة. ولسوء الحظ فإن معظم الناس يحاولون وقف الاستجابة الالتهابية قبل أن تأخذ فرصة لإبعاد الخلل من الجسم. ولذا فإن إيقاف أو كبت التهاب يمكن أن يدفع الخلل عميقاً داخل الجسم مما يسبب خللاً مزمناً. وإذا استمر ذلك الخلل المزمن لفترة طويلة فسيبدأ الجسم في الاضمحلال (الضمور، الأورام، الانحلال).

         ومن الأمثلة التقليدية على التعطيل، التي يعترف بها كل من الطب المعتاد وطب الطبيعة، استخدام كريم الكورتيزون على طفح الإكزيما. الكورتيزون يوقف الالتهاب بتعطيل نشاط الجهاز المناعي. ويلاحظ مرضى الإكزيما الذين يستعملون كريم الكورتيزون حدوث ربو في أغلب الحالات (أو تطوره إلى الأسوأ) بينما تخف الإكزيما. إن كريم الكورتيزون يلغي الإكزيما ويدفع بالالتهاب عميقاً داخل الجسم، أي إلى الرئتين في هذه الحالة. ويلاحظ المرضى غالباً أن الإكزيما تعود إلى الظهور عندما يتحسن الربو لديهم – فالجسم قد تحسن إلى درجة دفع الالتهاب نحو السطح (الجلد) مرة أخرى (انظر "قوانين الشفاء" أعلاه). فيقومون باستخدام كريم الكورتيزون مرة أخرى، فتتحسن الإكزيما وتسوء حالة الربو. وقد تستمر الدورة المزمنة من التعطيل والتحسن لعدة سنوات قبل أن يَمَل الجسم فلا يدفع الالتهاب إلى السطح بعد ذلك. وعند ذلك تخف حدة الإكزيما إلى درجة منخفضة من التهيج، بينما تتعمق جذور الربو ويصبح حالة مزمنة.

        وكذلك عندما تطبق علاجات طب الطبيعة بشكل غير سليم، فيمكنها أن تسبب تعطيل الالتهاب وحدوث تهيج. ومع أن التعطيل أقل حدوثاً مع علاجات طب الطبيعة، فإن ممارس العلاج بالماء، والعلاج بالأعشاب، والعلاج التجانسي، يجب أن يكون منتبها لوصفاته وأن يراقب جيداً ظهور أية علامات للتعطيل. ففي المثال السابق، الربو هو "تهيج مزمن" في أنسجة الرئة سببه تعطيل تهيج سطحي ناتج عن عيب بنيوي في الهيكل العظمي (راجع طريقة جيسري في علاج الربو). ومن منظور طب الطبيعة فإن التهيج السطحي (الإكزيما) أقل خطورة من الالتهاب المزمن في عضو حيوي (الربو). وإذا استمر الالتهاب المزمن فترة كافية من الزمن، فسيحدث تحلل للأنسجة. وبصفة عامة، لن تظهر على الجسم علامات ضرر قابلة للقياس حتى يصل المرض إلى مستوى "الالتهاب المزمن" أو "تحلل الأنسجة"، فعلى سبيل المثال، إن أخذ عينة من جيب أنفي به التهاب حاد، وفحصها تحت الميكروسكوب لن يكشف في المعتاد عن تغييرات كبيرة في الأنسجة. ولكن الجيب الأنفي المصاب بالتهاب مزمن ستظهر فيه علامات تهيج على مستوى الخلايا. وقد يسبب التهيج على المدى الطويل تحلل الأنسجة. فتلف الأنسجة هو ظاهرة متأخرة من تحلل الأنسجة.

إن النموذج المثالي للعودة إلى الصحة هو إحداث انعكاس في سير المرض.

تحلل الأنسجة  الالتهاب المزمن    الالتهاب    الإبعاد    الصحة المثالية

 

ومن منظور طب الطبيعة، تنشط عملية الشفاء أولاً عن طريق الجهاز الهضمي، بطريقتين أساسيتين: الغذاء السليم والعلاج بالماء. فالجهاز الهضمي مهم جداً لتجديد أي نسيج في الجسم. فالقناة الهضمية مسؤولة عن امتصاص جميع المواد الغذائية والتخلص من معظم الفضلات في الجسم. وإذا كان الجهاز الهضمي يؤدي وظيفته بشكل مثالي، فسيكون لدى الجسم الفرصة للحصول على جميع المواد الغذائية الموجودة في الطعام الذي نأكله، والتخلص من جميع الفضلات التي نتجت عن الجسم خلال عمليات الإحلال والتجديد الطبيعية.

والعلاج المائي البنيوى  Constitutional Hydrotherapy– وهو نوع خاص من العلاج المائي مصمم لتنشيط الجهاز المناعي وزيادة الدورة الدموية في الجهاز الهضمي – هو أبسط الوسائل وأقواها وأقلها تكلفة لدعم شفاء الجهاز الهضمي. (انظر قسم العلاج المائي – في الفصل الثاني).

كما أن التغييرات في نظام الغذاء والعلاج المائي البنيوى تنشط كذلك شيئاً لا يوجد له أداة لقياسه في نظامنا الطبي الحالي، وهو القدرة على الشفاء الكامن في الجسم ذاته. ففي حين يسترد الجسم عافيته، تبدأ مسيرة المرض في الانعكاس. ويتحسن تحلل الأنسجة فيصل إلى مستوى التهيج المزمن، ثم يصبح التهيج المزمن حاداً – وعند ذلك يكون لدى الجسم طاقة كافية "لتنظيف البيت"، لإخراج الالتهاب الحاد الذي كان معطلاً إلى السطح مرة ثانية. وغالباً ما يعود الالتهاب المزمن في صورة حمى منخفضة الشدة، أو برد أو مرض شبيه بالأنفلونزا يستمر لبضعة أيام. وأحيانا ما يظهر "تنظيف البيت" الذي يشار إليه أيضا باسم "أزمة الشفاء Healing Crisis" في شكل عودة مرض قديم. ولكن أزمة الشفاء تكون في المعتاد مختلفة عن النوبات السابقة لها في أنها ذات مدة أقل كثيراً، وأنها أقل حدة من النوبات الأصلية للمرض.

        وإذا سُمح للالتهاب الحاد بأن يكمل مساره، فإنه سيسمح للجسم بأن يطرد الخلل الأصلي، فيعود الجسم مرة ثانية لحالة الصحة المثالية. وعندما يحدث للجسم التهاب حاد عقب مرض مزمن طويل، فتذكر أنه يجب السماح للالتهاب بإكمال مساره، فإنه سيسمح للجسم بأن يطرد الخلل الأصلي، فيعود الجسم مرة ثانية لحالة الصحة المثالية. وعندما يحدث للجسم التهاب حاد عقب مرض مزمن طويل، فتذكر أنه يجب السماح للالتهاب بإكمال مساره بدون أي تعطيل ( على سبيل المثال لا كورتيزون ولا أسبرين). وبالإضافة إلى التغذية والعلاج المائي، تُنَشط كثير من أنواع العلاج الأخرى قدرة الجسم الكامنة على الشفاء. وقد يساعد الجسم في رحلة الشفاء هذه العلاج التجانسي، والأدوية النباتية، وتقليل الإجهاد، والوخز بالإبر، والعلاجات الطبيعية. كما أن المجهود الذاتي، والتأمل، وتقديم المشورة تعالج جذور بعض الأمراض. ويحتاج اختيار أسلوب معين استخدام المهارة والحدس معاً – إذ يحتاج الممارس إلى معرفة قوية باختصاصه، وحدس ثاقب لاختيار الطريقة أو الطرق التي تمنح المريض أقصى قدر من الفائدة. وكثيراً ما أخبر المرضى بأننا سنقوم "بعمل غير كامل"، لنكتشف ما هي العلاجات التي تساعدهم لأقصى قدر ممكن.

ويعتمد رد الفعل بالطبع، وبشكل جزئي، على مهارة الممارس، وعلى قدرته على استخدام أداة علاجية معينة.

        وهذا التزاوج بين المعرفة والبديهة هام جداً لتطبيق هذه المبادئ. حاول أن تعلم كل ما تستطيع عن الأساليب التي تجدها أكثر فائدة، أو التي تشعر بأنك تفضلها أكثر من غيرها. استشر الممارسين المحليين، واقرأ، وادرس، ومارس ما تتعلمه. فالمعلومات تتحول إلى معرفة حية عندما تطبق في حياتك. تعلم كيف تصغي إلى حدسك، ذلك "الذكاء الفطري" الذي يرشدك خلال تطبيق المعرفة. وتذكر أن كل شخص مختلف عن غيره وأن ما يؤثر على أحد الناس قد لا يؤثر على غيره. وكلما أصبحت أكثر معرفة بجسمك وأجسام أسرتك، فسوف تستطيع إجراء اختبارات أكثر دقة على أساس من معرفتك بالأساليب العلاجية.