مقدمة لطب الطبيعية

 

        يعتمد طب الطبيعة في معرفته بأساليب العلاج على القدر الهائل من الحكمة الكامنة في الأرض. فعندما تستخدم طب الطبيعة فإنك ستستخدم أقدم طب موجود وأكثر طرق الطب من حيث الأبحاث الإكلينيكية، وهي المعالجات الطبيعية التي تم تطبيقها بفعالية لعشرات الآلاف من السنين، مندمجة مع أفضل الأبحاث والتكنولوجيات المعاصرة.

        وطب الطبيعة هو نظام من الطب التقليدي مُعَرَّف بفلسفته. ويعكس لفظ " تقليدي" جوهر طب الطبيعية بصورة أشمل من لفظي "بديل" أو "مكمل". وترجع جذور طب الطبيعة إلى العصور القديمة، حين درس الأطباء عمليات الصحة كما درسوا عمليات المرض. بل إن هذه الجذور تمتد تاريخيا لأعمق من ذلك، إلى عصر أدرك فيه البشر القوة الشافية الموجودة في أجسامهم ذاتها، وكذلك في النباتات والعناصر التي تحيط بهم. وهذه القوة الشافية الكامنة التي أمد الله بها الأجسام تساعد الجسم على تجديد ذاته واستعادة توازنه.

        وهناك أساليب وطرق علاجية عديدة تدخل تحت مظلة طب الطبيعة. فإن فلسفة طب الطبيعة توفر الرابطة التي توحد هذه المجموعة من الممارسات المتنوعة. ومن النواحي الأساسية لهذه الفلسفة، والتي سنذكرها بالتفصيل لاحقا، هو أن العلاج يجب أن يكون متناسب مع كل فرد على حده، ليلائم احتياجات كل مريض بعينه. فإن طب الطبيعة يعالج الأمراض بمعالجة الأشخاص. فقد يأتي إلى المكتب عشرة أشخاص بأعراض متماثلة من البرد أو الأنفلونزا، ومن المرجح أن يخرج هؤلاء الأشخاص ومعهم عشر خطط علاج مختلفة، وضعت كل منها لتلائم مجموعة معينة من الاحتياجات.

        وهذا التنوع في طرق العلاج يجعل طب الطبيعة صعب الفهم على بعض الناس. فالهيئات التشريعية تفهم أساليب العلاج الأخرى، مثل الوخز بالإبر، بشكل أفضل، لأن طريقة العلاج ثابتة لكل مريض. فإن المعالجين بالإبر يستخدمون الإبر للوخز، وأطباء العلاج اليدوي يستخدمون الضغط أو تخفيف الضغط أو تخفيف الضغط للعلاج، والأطباء العاديون يصفون أدوية صيدلانية أو جراحات.

        وأما طبيب الطبيعة فلديه منظومة ضخمة من المعالجات الممكنة التي يختار منها. ويدرس طلاب طب الطبيعة جميع العلوم الطبية بما في ذلك التشخيص الإكلينيكي، والبدني، وعلم الأمراض، والتشريح (ومعمل التشريح)، وعلم الأدوية، والتخصصات مثل طب الأطفال، وأمراض النساء، وأمراض القلب، وباختصار، جميع المواد التي تدرس في أي كلية طب. وبالإضافة إلى ذلك فإننا نخصص مئات من الساعات في دراسة مواد لم تعد موجودة في معظم مناهج كليات الطب الكلاسيكي، وتشمل تقديم المشورة والتغذية، والعلاج بالتمارين الرياضية، والعلاج المثيل، وطب النباتات، والعلاج بالماء، والعلاج الطبيعي (انظر الملحق للإطلاع على لوحة المقارنة).

        ومثل أي طبيب عادي، فإن طبيب طب الطبيعة يسأل المريض عن تاريخ المرض، ويقوم بالفحص البدني ويطلب اختبارات معملية ويشخص الأمراض. ولكن طبيب طب الطبيعة يختلف عن غيره من الأطباء فقط في كيفية علاج المرض الذي تم تشخيصه، وفيما يفعل بالمعلومات التي جمعها. فقد تشمل خطة العلاج تقديم المشورة الغذائية، ووضعه للعلاج المثيل، ومناقشة لكيفية الاستفادة من برنامج معين للتمارين الرياضية لصحة المريض. وقد تغطي المناقشة الضغوط الوظيفية أو الأسرية وكيف تؤثر على صحة المريض. كما أن زيارة المريض للطبيب قد تشمل نوعاً من العلاج الطبيعي إذا كان المريض يحتاج لذلك. وفي بعض الأحوال يحتاج المريض إلى جراحة بسيطة، مثل إزالة زائدة جلدية أو خياطة جرح. وأخيراً، فقد يلجأ طبيب طب الطبيعة في حالات معينة إلى وصف أدوية صيدلانية.

        وبصفتي دكتوراً في العلوم الطبية وعلوم التغذية، وخريج الكلية الكندية لطب الطبيعة، ومعتمدا من البورد الأمريكي لطب الطبيعة ANCB ومن وزارة الصحة بدولة الإمارات العربية، ومستشارا وممارساً معتمداً في العديد من علوم الطب البديل، فإنني لست معارضاً لاستخدام الأدوية والجراحة في حدود معينة، فلدي أدوية معينة استخدمها كجزء من العلاج، وبالنسبة لبعض المرضى فإنني أعتقد أن الجراحة تكون اختياراً متاحاً، وقد يكون ضرورياً لهم. ويتفوق الطب المعتاد في علاج حالات الكوارث، مثل الإصابات الجسيمة الشديدة بعد حادث سيارة، أو استئصال الأورام السرطانية الكبيرة. فعندما نحتاج إلى "المدفع الكبير" فإن الطب العادي يتدخل بعنف وسرعة تبعث على الاطمئنان. وعندما يحتاج الجسم إلى علاج متواصل لمرض مزمن، أو مساعدة في إعادة البناء بعد إصابة أو مرض شديدين، فليس لدى الطب المعتاد قدر كبير مما يقدمه.

        وحتى الحالات الحادة "البسيطة" لها علاجات قليلة في النظام الطبي المعتاد. وقد اعترف زميل لي من خريجي كلية طب، بكونه عاجزاً عن علاج البرد. وأخبرني بقوله "أعني أنني لا أعرف ماذا أفعل حتى لنفسي"، "ماذا أقول لمرضاي؟". وقد كنت مندهشا من تصور معرفته بقدر اندهاشي من صراحته. فإنه يمكنني أن أصف ما لا يقل عن ستة علاجات للبرد، وعدة علاجات لإنهاء نزلة البرد في مراحلها الأولية.

        إن نظام الطب المعتاد قد فقد موارد لا تقدر بثمن عندما هجر حكمة الطب التقليدي. فقد فَقَدَ معرفة تدعيم قوة الجسم والاستعانة بالقوى التي تساعد على الشفاء الطبيعي والكامنة في الجسم. كما فَقَدَ أيضاً الفهم الحقيقي للاستثمار في الصحة كوسيلة للوقاية. ولسوء الحظ فإن "المدافع الضخمة" للطب المعتاد قد أعطت الناس شعوراً زائفا بالأمان. فكثير من الناس يفترضون أنه يمكنهم أن يستمروا في تناول الطعام غير المفيد، وأن لا يمارسوا التمارين الرياضية، ويدخنوا ويشربوا الخمر بإفراط، ثم "ينقذهم" الطب الحديث من المرض في ما يلي من عمرهم. ونحن الآن بعد أكثر من نصف قرن من ظهور الأدوية الكيميائية العجيبة، نتعلم أن معجزات الأدوية هي ظواهر مؤقتة وليست دائمة. فالبكتيريا والفيروسات تحدث لها طفرات وتصبح مقاومة للمضادات الحيوية. والعلاج الكيميائي وأدوية علاج ضغط الدم لها آثار جانبية خطيرة قد لا يمكن علاجها أحياناً. ومثل هذه "المعجزات" لها ثمن باهظ كما أن لها منافع، والثمن الذي ندفعه هنا هو صحة أجسامنا وحيويتها. ويعتمد طب الطبيعة على القوة الكامنة في الجسم ليأتي بمعجزاته. وأدويته العجيبة هي مصادر نباتية وعناصر موثوق بها، استخدمت بفاعلية منذ فجر فنون العلاج.

وقد تم إضافة علم العلاج بالحجامة إلى طب الطبيعة لسببين رئيسيين غاية في الأهمية،

الأول وهو إحياء هذا النوع من العلاج الذي أثبت فعاليته ونجاعته على مر العصور والأزمنة وترسيخه كفرع من فروع طب الطبيعة Naturopathy شأنه في ذلك شأن الوخز بالإبر الصينية والعلاج بالأعشاب والعلاجات الطبيعية الأخرى، حيث أنه لا يقل عنه في فعاليته وفائدته.

وأما السبب الثاني فهو تصحيح أحد المفاهيم الرئيسية لعملية الحجامة والتي كثيرا ما يتردد أنها تخرج الدم الفاسد من الجسم، ولكن وبفضل الأبحاث التي قمت بها وخرجت منها بنتيجة أنه لا يوجد دم فاسد في الجسم ودم صالح فالدم كله يجري مجراه في الجسم ولا يمكن فصله أو تصفيته بهذه العملية، وإنما الدم الذي يتم امتصاصه وإخراجه يكون محتويا على السموم التي تخزن في الطبقة الدهنية الموجودة تحت الجلد، وبالتالي فإن الجسم يتخلص من تلك السموم ويستعيد نشاطه وعافيته.

وكوننا مسلمون فإننا لا نحتاج إلى براهين وأدلة لإثبات فائدة الحجامة فيكفينا يقينا وإيمانا بها وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالحجامة حيث قال: "نعم الدواء الحجامة، تذهب الدم وتجلو البصر وتخف الصلب"، وهذه شهادة من نبي لا ينطق عن الهوى، وقد أوصته الملائكة بالحجامة في ليلة إسرائه حيث قال عليه الصلاة والسلام: "ما مررت بملأ من الملائكة ليلة أُسْرِيَ بي، إلا قالوا عليك بالحجامة".

ولابد من التذكير في ختام هذه المقدمة أن الشفاء بيد الله عزَّ وجلّ، لقوله على لسان إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: "* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ *"[1]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يعوذ أهله أو يدعو لمريض: "اللهم رب الناس مذهب البأس واشف، أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقما"[2]. وما التداوي والعلاج إلا اتخاذ بالأسباب، وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على البحث عن العلاج وطلبه، مع اليقين بأن الشافي هو الله ولا أحد سواه: جاءت الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: " نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله عزَّ وجلَّ لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً، غير داء واحد"، قالوا: ما هو؟ قال: "الهرم" [3]


 

[1] الشعراء (80)

[2] صحيح مسلم، سنن أبو داود، والنسائي في اليوم والليلة

[3] أخرجه أبو داود، وابن ماجة، والترمذي في سننهم، وأحمد في مسنده، وقال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح.